جدول المحتويات

مفهوم الوقف في البرمجيات

مقدمة عن مفهوم الوقف

الوقف هو من المعاملات الخاصة في الشريعة الإسلامية السمحة فهو بين الهبة والتملك والمنع (الحبس). فهو أن تحبس أصل المال وتهب ريعه في الخير على الناس عامة أو على المسلمين خاصة أو حتى على أشخاص بعينهم. مما يعني أن هناك أنواعاً من الوقف كالوقف الخيري ومنها الوقف الخاص كأن يقوم شخص بوقف حديقة على أبنائه فهي كهبتهم إيها إلا أنه يمنعهم من بيعها.

الملكية والبرمجيات

قبل الحديث عن وقف البرمجيات يجب أن نتحدث عن ملكية البرمجيات (بل والملكية الفكرية بشكل عام)، لأن الواقف يجب أن يكون مالكاً. وهذا يدخلنا في متاهة كبيرة وخلافات فقيه كبيرة سببها مصطلح “المادة الفكرية” المضلل الذي روج له اتحاد ناشري البرامج SPA وهو اتحاد شركات ربحية غربية (وليس منظمة خيرية كما يسوق نفسه). بكل بساطة لأن “المادة الفكرية” ليست مادة. المسألة ليست عن السرقة الأدبية وليست مجرد إصطلاح فوراء هذا المسمى (“المادة الفكرية”) مفاهيم ضمنية وهي إضفاء الصفة المادية على شيء معنوي وهو الأفكار من أجل كتمها. تأمل هذا المثال: فإن كان مع زيد رغيف وأخذه عمرو فإن ذلك يسلب زيداً رغيفه فإن باع زيد الرغيف إلى عمرو فإن زيد يفقد رغيفه ويحصل على ثمنه ويأخذ عمرو الرغيف ويدفع ثمنه. أما الممتلكات الفكرة فإن عملية نسخها (على أقراص أو إعادة طباعتها ..إلخ) لا تسلب المالك المزعوم شيئاً والبيع المزعوم للمادة الفكرة ما هو إلا بيع الإذن أو الرخصة (بالإنجليزية license) فهو باع الإذن باستعمال المادة الفكرة وفقاً لبنود الرخصة. ولنكون دقيقين فإن الحقوق النسخ تعطي مالكها ملكية تمثيل أفكاره (على شكل قصيدة أو كود حاسوبي) على جميع الوسائط حتى تلك التي يمتلكها غيره.

الملكية الفكرية في القوانين الوضعية

إن أغلب بلدان العالم تعترف بما يسمى “حقوق الملكية الفكرية” وعلى رأسها “حقوق النسخ” (والتي تترجم خطأ حقوق المؤلف). وتروج SPA إلى أنها حقوق طبيعية (فطرية) في حين أن الدستور الامريكي يؤكد أنها حقوق استثنائية مكتسبة ومؤقتة وضعت بهدف وهنا أقتبس “promote the progress of science and the useful arts” أي “دعم التقدم العلمي والفنون (أو الأعمال الأدبية) المفيدة” انتهى الاقتباس. ويكون ذلك من خلال اصطناع حافز أمام المستثمرين يجعل نشرهم للأفكار مجدياً (وذلك بإعطائهم الحق الحصري في تحديد من وكيف تستعمل تلك الأفكار) حيث أن الغاية تبرر الوسيلة في ثقافتهم. وربما يجدر بنا أن نذكر أن كلمة “تقدم” وكلمة “مفيدة” في الدستور الأمريكي ليس لها تعريف وهي مجرد زخرفة للعبارة حيث أن أغلب حقوق النسخ توضع على أعمال غير مفيدة بل ومضرة وأظن أن هناك إضافة addendum تتعلق بحرية التعبير تسمح للناشر والمؤلف بنشر أشياء لا يختلف اثنان على أنها ضارة (مثل الحث على قتل الناس ..إلخ).

ولان الملكية الفكرية غير فطرية فإنها تختلف اختلاف كبيراً من دولة إلى أخرى بل وأحياناً من ولاية إلى أخرى (مثل الأسرار التجارية Trade Script). إلا أن “حقوق النسخ” تكاد لا تخلو منها دولة بما في ذلك أغلب الدول العربية أو الإسلامية.

وبغض النظر عن موقفك من تملك الأفكار فإن هذه القوانين موجودة وهناك من يستفيد منها في نشر العلم لكن الأغلب يستغلها لاحتكار العلم. إن من بين طرق الاستفادة منها في نشر العلم بأن تكون الرخصة على عكس الرخص الأخرى تنص على السماح للمستخدم (المرخص له) بالنسخ وإعادة التوزيع والترجمة والتطوير ..إلخ. والقيد الوحيد الذي تضعه يكون فقط بما يتعلق بإعطاء المؤلف ما يستحقه من إشادة (منع “السرقة الأدبية”) ومنع حَرفه ليصبح محتكراً. وهذا ما يصطلح عليه اسم البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر FLOSS.

وهذا المجتمع ينقسم إلى قسمين بحسب السبب وراء ذلك العمل

وعلى عكس SPA هاتان المنظمتان تعتبران (وفق القوانين الأمريكية) منظمات خيرية تعفى من الضرائب. إلا أن البرمجيات مفتوحة المصدر لا تتناقض مع الربح وذلك من خلال توفير خدمة حقيقية أو منتج حقيقي إلى جانب العمل الفكري (خدمة الدعم الفني والدورات والموائمة ..إلخ.) دون احتكار العلم.

وحتى الذين لا يؤمنون بالملكية الفكرية فإنهم يودعون أعمالهم وفق قوانين حقوق النسخ لكنهم يرخصونها للجميع وأشهر رخصة لذلك هي رخصة التأميم العامة من غنو

الوقف في البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر

إن وجود أعمال فكرية مطروحة للجميع أمر طبيعي في العالم الإسلامي، فهناك كم كبير من البرمجيات عالية الجودة متوفرة للتنزيل المجاني. وهناك الكثير من الأعمال الفكرية تحمل عبارة “حقوق النسخ محفوظة لكل مسلم” أو عبارة مشابهة لكن قوانين الملكية الفكرية تحتاج إلى كتابة بنود تلك الرخصة خصوصاً وأن الإنترنت لم تبق للعوائق الجغرافية أي قيمة فيجب أن تراعي تلك الرخصة اختلاف القوانين بين الدول المختلفة. ومن هنا جاءت فكرة رخصة “وقف” العامة.

أوجه الشبه بين المصادر المفتوحة والوقف

إن البرمجيات المفتوحة تتركز على منح المستخدم (المرخص له) الكثير من الحرية وعدم تقييدها إلا عندما يتعلق الأمر بكتم الكود المصدري فرخصة التأميم العامة من غنو تمنع كتم الكود المصدري كما تلزم توزيع الأعمال المشتقة وفق نفس الرخصة.

أما مفهوم الوقف فهو حبس الأصل (المصدر) من أن يستهلك والسماح بطرق الانتفاع من الريع بما لا يستهلك الأصل. وبإسقاط هذا المفهوم على البرمجيات (مع التحفظ على “ملكية الأفكار”) فإن مالك العمل يقرر نشره مع وضع القيود لمنع كتم الأصل (الكود المصدري).

أوجه الخلاف بين المصادر المفتوحة والوقف

إن من بين الرخص المنتشرة في البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر FLOSS البرمجيات برخصة BSD نسبة لبرمجيات جامعة كاليفورنيا والهدف من وراء هذه الرخصة مرتبط بتحصيل المِنح أو ما شابه. في هذا النوع من الرخص يتخلى صاحب العمل عن كل حقوقه باستثناء نسب الفضل له والإلتزام بعدم استخدام اسمه في الدعاية. بكلمات أخرى هذا النوع من البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر لا يحبس الأصل بل إنه أقرب للتأميم أو الهبة باستثناء ما ذكرنا.